جعل الحق في المياه ورشا فسيحا ضمن أوراش حقوق الإنسان

السياق: التحديات والرهانات

لقد ارتقى الحصول على المياه إلى درجة حق للإنسان، وذلك عقب المطالبة به كحق ثم تكريسه كذلك. وتكشف متابعة المسلسل الذي قاد إلى هذا الاعتراف أن مكونات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان لم تكن فاعلة في سياقه، أو أنها لم لم تساهم فيه إلا بشكل هامشي. ولذا، فإن منتدى مراكش يشكل فرصة سانحة لتحقيق التآلف، حول هذا الموضوع، بين الفاعلين في حقول حقوق الإنسان، والحق في المياه والتنمية المستدامة، والمجتمع المدني والمؤتمرات الدولية ذات الصلة بإعمال هذه الحقوق.

تعتبر المياه عاملا من عوامل التنمية المستدامة، وتحكمها ثلاثية "البيئة والاقتصاد والبعد الاجتماعي"، علما أن مكونات هذه الثلاثية تتفاعل مع هذا المورد. ويشكل الحق فيها أيضا حقا لا بد منه للتمتع بحقوق أخرى مثل الحق في الحياة والكرامة والصحة والتغذية والسلم والأمن والبيئة السليمة.

واجه الكفاح الطويل من أجل الرقي بالحق في المياه إلى صفة حق لكل إنسان العديد من أصناف المقاومة، لكنه توج، في يوليوز 2010، باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة لقرارها الذي أقر الحق في التوفر على "مياه شرب مأمونة ونقية يسهل الحصول عليها وميسورة الكلفة" قصد الاستخدام الشخصي والمنزلي لكل فرد.

وفي سنة 1993، كان المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان المنعقد في فيينا قد أبرز تداخل وتشابك جميع حقوق الإنسان، داعيا المجتمع الدولي إلى أن يعاملها "على نحو شامل وبطريقة منصفة ومتكافئة، وعلى قدم المساواة، وبنفس القدر من التركيز" ﴿المادة 5 من إعلان المبادئ﴾.

وفي الواقع، فالمياه تشكل مصدرا لعدم المساواة، وهي موزعة بشكل غير متكافئ زمنيا ومجاليا، ويطال عدم توزيعها بتكافؤ أيضا الوصول إليها، ذلك أن تسع دول "عملاقة" تستحوذ على 60 ٪ من الموارد الطبيعية المتجددة من المياه العذبة عبر العالم ﴿البرازيل، فيدرالية روسيا، إندونيسيا، الصين، كندا، الولايات المتحدة، كولومبيا والهند﴾، بينما لا تتوفر الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة ومالطا وليبيا وسنغافورة والأردن وإسرائيل وقبرص إلا على موارد مائية جد محدودة أو شبه منعدمة بالأحرى.

إن 2،4 مليار فرد محرومون من مياه الشرب، أي ما يعادل ثلث ساكنة العالم؛ كما أن 3،6 مليار إنسان يستعملون "مياها غير آمنة" وأكثر من 1،8 مليارا يستهلكون مياها غير صالحة للشرب، وذلك دون احتساب الانقطاعات اليومية لشبكات التوزيع.

إن معالم أزمة شاملة تلوح في الأفق، وذلك بسبب انخفاض العرض وارتفاع الطلب وتنوعه، وبفعل التغيرات المناخية أيضا وازدياد سكان العالم ﴿9 ملايير نسمة في أفق 2015﴾. ولأول مرة في تاريخ البشرية، أصبح عدد سكان المدن يفوق عدد سكان الأرياف، علما أن انعكاسات ذلك على الاحتياجات للمياه وآثار تصريف المياه المستعملة متعددة على المستوى الصحي والبيئي.  

يدفع الخصاص في مجال المياه والهشاشة البيئية السكان إلى الهجرة داخل بلدانهم أو إلى الخارج. ووفق تقرير للأمم المتحدة، فإن حوالي 60 مليون شخص سيهجرون المناطق الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء التي طالها التصحر للتوجه إلى المغرب العربي أو أوربا، وذلك بين 1997 و2020. كما أن الهجرة من المناطق الصحراوية في اتجاه أوربا ستبقى مستقرة بدون شك بينما ستتحول دول إفريقيا الشمالية تدريجيا إلى بلدان استقبال. هذا، ويظل القانون الدولي قاصرا إزاء ظاهرة المرحلين البيئيين.

لقد أصبحت المياه والحرب موضوعين مرتبطين، وصار أمن الدول يتضمن أكثر فأكثر مفهوم الأمن البيئي. ويشتمل الكوكب على 263 حوضا هيدروغرافيا دوليا تكسو 45،3 % من مساحة الأرض (بدون احتساب القطب المتجمد الجنوبي)، أحواض يقطنها أكثر من نصف البشرية. وإذا كان ثلث هذه الأحواض تابعا جغرافيا لأكثر من دولتين، فإن دولا عدة تقتسم طبقات جوفية كذلك. وتحظر البروتوكولات الإضافية الملحقة باتفاقيات جنيف لسنة  1977 استعمال مرافق مياه الشرب وشبكاتها كوسيلة من وسائل الحرب، ومعها أنظمة الري، لكنه حظر يتعرض للأسف للخرق في العديد من الحالات.

ورغم مجهودات الدول لتزويد الساكنة برمتها والمناطق جميعها بالمياه، فإن الوعي بالأزمة الشاملة وبالرهانات المرتبطة بالمياه يظل ناقصا.

إن قصور الفعل و/أو عدم كفاية الوسائل في المجال تؤديان إلى تدهور حدود المعادلة، وبالمقابل، فإن الوصول إلى هذه الخدمة الأساسية يشكل رافدا جوهريا للتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية، ومن ثمة للسلم الاجتماعي.

الحق في المياه النقية: بداية التكريس

يرفض المجتمع المدني الحصيلة السلبية المشار إليها في مجال الوصول إلى المياه والصرف الصحي، ونحن نعايش حاليا تدريجيا إقرار الحق في المياه بشكل خاص، وذلك بواسطة العديد من القرارات والإعلانات والمعاهدات الدولية و/أو الإقليمية، وكذا على المستوى الداخلي عبر الدساتير. لقد أصبحت هذه الحقوق مكفولة باعتبارها من حقوق الإنسان بفعل القانون الدولي ذي الصلة بها، وعلى سبيل المثال، فإن المغرب كرس بحكم الفصل 31 من دستور يوليوز 2011 الحق في الوصول إلى الماء.

تشرع هذه الحقوق الباب لمواجهة عدم المساواة في مجال الوصول إلى المياه، وذلك عن طريق تحميل المسؤولية للدول وتعزيز العدالة الاجتماعية وعدم التمييز ومكافحة الفقر، سواء داخل كل دولة على حدة أو في إطار العلاقات الدولية. وتوفر هذه الحقوق وسيلة قانونية ذات مقاربة تغترف من "حقوق الإنسان" قصد تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية، وهي الأهداف التي دعت المجتمع الدولي إلى تقليص عدد الأفراد المحرومين من المياه والصرف الصحي إلى النصف في أفق 2015. لكن الوضع في هذا المجال يظل مقلقا حسب تقرير حديث لمنظمة الصحة الدولية.

ومنذ اعتماد القرار المشار إليه أعلاه في 2010، تبذل هيئات الأمم المتحدة جهودا مكثفة بهدف إقرار هذه الحقوق، ما نتج عنه إضافة العديد من القرارات الدولية لمنظومة الحق في الصرف الصحي.

توجد المقاولات الموفرة لهذه الخدمة أو المدبرة لها في صلب هذه الديناميكيات، ولم يعد السؤال المطروح بالنسبة لكل واحدة منها هو: هل هي معنية أم لا؟ بل كيفية التعايش مع هذا المعطى الجديد الذي أصبح عاملا حاسما في سياق التنافسية والنمو، وأيضا المقاربة المواطنة.

ويتجسد الرهان حاليا في تشجيع جميع الأطراف المعنية على أن تأخذ بعين الاعتبار انعكاسات قراراتها وأنشطتها على المجتمع والبيئة، وذلك عبر اعتماد سلوك شفاف وأخلاقي يساهم في التنمية المستدامة في سياق تجد فيه الدولة نفسها مدعوة إلى صياغة ترسانة قانونية ذات صلة بالموضوع، وإلى اعتماد آليات ملائمة للمصاحبة، بل إعطاء المثال.

أهداف المنتدى الموضوعاتي

- تحقيق التآلف بين جهود منظمات حقوق الإنسان والفاعلين في مجال التنمية المستدامة والمؤتمرات الدولية والمجتمع المدني والآليات التمويلية والسلطات المحلية والبحث العلمي  ووسائل الإعلام؛

- شرح نشأة هذه الحقوق والمقاومات التي تتعرض لها وسياقات إقرارها، وكذا جوانبها المفاهيمية؛

- - تبادل المعلومات، خاصة حول المرجعيات القانونية وآليات الدسترة والممارسات الرشيدة ودور المجتمع الدولي؛

- مناقشة آليات التطبيق والمقاضاة والتمويل والتمويلات التضامنية والحكامة الفعلية والتمفصلات ذات الصلة بين المستويات الدولية والوطنية والمحلية؛

- مناقشة كيفية إدماج هذه الحقوق الجديدة ضمن السياسات القطاعية وتحقيق التماسك بينها؛

- تعزيز المسؤولية المجتمعية للمقاولات؛

- دعم التحسيس وتقوية قدرات وسائل الإعلام والشباب ومنظومات العدالة؛

- التعبئة من أجل عقد شراكات وإعمال التعاون والتضامن والتشبيك.

 

- النتائج المرتقبة

- صياغة تقرير يشمل المسلسل برمته ويستخلص منه التوصيات؛

- إطلاق "نداء مراكش من أجل فعلية الحقوق في المياه والصرف الصحي"؛

- توظيف نتائج المنتدى بهدف تقوية التشبيك.