الإعاقة وحقوق الإنسان

يوضح التقرير العالمي حول الإعاقة، المنجز في سنة 2011 من طرف منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، أن 15 % من سكان العالم يعيشون مع أحد أشكال الإعاقة. وحسب العديد من دراسات الهيئات الدولية والإقليمية، فإن أغلبية هؤلاء السكان تواجه ظروفا سلبية على مستوى تمتعها بالحقوق الأساسية. هكذا، يؤكد التقرير العالمي أن الأشخاص ذوي الإعاقة في البلدان منخفضة الدخل "يواجهون تهديدا يتجاوز نسبة 50 %  مقارنة مع الأشخاص غير ذوي الإعاقة" (1).

تتميز الأوضاع الناجمة عن الإعاقة بالحرمان وتعدد العقبات التي يواجهها الأشخاص المعنيون وعائلاتهم. وهذه العوائق سياسية وتشريعية وتمويلية، يضاف لها نقص البيانات الدقيقة وضعف الخدمات، وهو ما يعمق التمييز ضد الأشخاص في وضع إعاقة.

ووفق تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة لسنة 2013 حول الأطفال ذوي الإعاقة في العالم، فإن "93 مليون طفل يعيشون مع أحد أشكال الإعاقة المتوسطة أو الشديدة" (2).

يعتبر إعمال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة تحديا أساسيا. وهو مؤشر لقياس مدى قدرة المجتمعات على أخذ تنوع الفئات المكونة لها بعين الاعتبار. وقد عرف الأشخاص في وضع إعاقة، على امتداد رقعة العالم، تاريخا طويلا من التمييز والإقصاء وعدم المنظورية. وهذا التمييز ناتج عن الإدراك الثقافي وعن تنظيم اجتماعي أساسه النظرة الشخصية للإعاقة التي لا تعترف بالتنوع كشرط ملازم للبشرية.

اضطلعت الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بدور بارز في النهوض بالحقوق الإنسانية للأشخاص في وضع إعاقة. ومع ذلك، ورغم إسراع الدول للتصديق على هذه الاتفاقية، فإن إعمالها يشكو من التأخير في الكثير من الأحيان. وبخلاف دول الشمال حيث إلزامية احترام حقوق الإنسان منغرسة، فإن البلدان السائرة في طريق النمو كثيرا ما تواجه أولويات لا تدرج بعد الإعاقة في سياقها.

يكفل هذا الصك من صكوك حقوق الإنسان المشاركة بصورة كاملة وفعالة للأشخاص ذوي الإعاقة، وتمتعهم تمتعا كاملا بجميع الحقوق، جاعلا بهذا من المواطنة لازمة أصيلة. وقد أقرت الاتفاقية أيضا الآليات التي من شانها إعمال مختلف حقوق الأشخاص في وضع إعاقة، وهكذا أصبح تدبير الشأن العام حقا لا يمكن إقصاء الأشخاص ذوي الإعاقة من التمتع به، سواء كناخبين أو كمنتخبين.

  وفي هذا الصدد، فإن الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، والاتفاقية المذكورة على وجه الخصوص، تحظى بأهمية قصوى بالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، وخاصة بالنسبة لمشاركتهم السياسية في حياة مجتمعاتهم، وهي المشاركة التي يجب تعزيزها بشكل ملموس.

إن وضع وتنفيذ سياسات عمومية كفيلة بضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يستلزمان وسائل لجمع المعلومات منهجيا، معلومات من شأنها توفير المعطيات حول نمط عيش وتكلفة الإعاقة.

يؤول دور رصد ومتابعة السياسات والميزانيات العمومية في مجال الإعاقة إلى منظمات الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، ولا يمكن لهذه العملية أن تتم بدون تشكيل إطارات عمل يشارك فيها بالضرورة هؤلاء. إن عدد الدول المتوفرة على مثل هذه الإطارات محدود، أما في البلدان المتوفرة عليها، فإن قضية الازدواجية مع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان تطفو على السطح، ما يفرض تطوير رؤية مشتركة ومندمجة وصياغة مبادئ توجيهية تسمح بالرصد الناجع.

وعيا منها بالنقص في مجال تنفيذ القانون الدولي لحقوق الإنسان واستمرارية العديد من المعيقات، قامت المجموعة الدولية بعدة مبادرات قصد شرح مقتضيات الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والنهوض بها. وقد خصصت، خلال السنتين الأخيرتين، مناقشاتها للأهداف الإنمائية للألفية لما بعد عام 2015، ليتبين لها، من خلال دراسة المؤشرات ذات الصلة، أن "إدماج" الإعاقة في التنمية أولوية، وذلك بسبب التداخل القائم بين الإعاقة والفقر.

  إن المفاوضات الجارية حول الأهداف الإنمائية المستقبلية للألفية تعتبر رهانا مهما في هذا السياق، ومن اللازم أن تتم خلالها تعبئة الدول ومنظومة الأمم المتحدة ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة بهدف ضمان حماية أفضل لحقوق الأشخاص في وضع إعاقة.

ورغم الجهود التي تم القيام بها من أجل صيانة حقوق النساء (3)، وكذلك اعتماد عدة نصوص تشريعية في عدة بلدان، فإن قضية المرأة ذات الإعاقة تظل مهمشة كما أوضحت ذلك الملاحظة العامة رقم 18 للجنة المعنية بالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة. إن كفاح النساء ذوات الإعاقة من أجل إبراز قضيتهن يتطلب التعزيز في الكثير من الدول، ومن وجهة النظر هذه، فإن دور مختلف الأطراف أساسي.

كيفما كانت طبيعة الإعاقة (حركية، بصرية، سمعية أو عقلية)، فإن إمكانية الوصول يجب أن تضمن لفائدة الأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك في مختلف المجالات: التعليم، التعليم العالي والتكوين المهني، الشغل، العمل الملائم والعمل المحمي، المباني، النقل والتكنولوجيات الحديثة... وإذا كانت الملاءمة الشاملة ضرورية، فالحال أن الوسائل المرصودة لإعمالها غير كافية إطلاقا للاستجابة لاحتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة وضمان استقلاليتهم.

ينعقد المنتدى العالمي لحقوق الإنسان عقب مرور ست سنوات على دخول الاتفاقية حول حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة حيز التنفيذ، ونظرا لكونه يضم المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، والحكومات، وآليات الأمم المتحدة، ومنظمات الأشخاص ذوي الإعاقة، ومنظمات أسرهم والمجتمع المدني، فإنه فضاء فعلي لبلورة مقاربة عرضانية وشاملة لحقوق الأشخاص قي وضع إعاقة، وذلك ضمن جميع فعالياته المبرمجة. وهو كذلك فرصة لالتئام جميع الأطراف المعنية لإبراز هذه الحقوق.

بالإضافة إلى الدعوة لأخذ قضية الإعاقة بعين الاعتبار بشكل عرضاني، فإننا نقترح تخصيص منتدى موضوعاتي لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، مؤكدين بذلك النهوض بإدماج الأشخاص في وضع إعاقة.

ويقترح المنتدى الموضوعاتي تناول المواضيع التالية:

- الآليات الدولية؛

- السياسات العمومية والإعاقة: أية إجراءات لحماية الحقوق والوصول إليها؟

- المجتمع وإدراك الإعاقة؛

- الإعاقة وإمكانية الوصول الشاملة: المباني، الخدمات، وسائل النقل والتواصل؛

- الإعاقة وحقوق التكوين والتربية؛

- المجتمع المدني والإعاقة؛

- الإعاقة والحقوق السياسية؛

- الإعاقة والحق في الشغل؛

- جمع المعلومات.

*  *  *

1: التقرير العالمي حول الإعاقة، 2011.

2: وضع الأطفال في العالم، 2013.

3: الدراسة المواضيعية بشأن العنف ضد النساء والفتيات والإعاقة،

(A/HRC/20/5)