سن القوانين وتعزيز حقوق الإنسان

سن القوانين وتعزيز حقوق الإنسان

ورقــة تـقـديميـة

لقد عرف السياق الدولي والسياقات الوطنية، وخاصة منذ مؤتمر فيينا لسنة 1993، تكريس فعل حقوقي كوني ملحوظ، بفضل الأدوار التي لعبتها كل الأطراف المعنية بحقوق الإنسان؛ مما ساهم في توسيع نطاق انخراط الدول في الترسانة الاتفاقية والآليات الأممية لحقوق الإنسان. ويشكل هذا التطور مؤشرا هاما لقياس درجة تبني المنظومة الحقوقية الدولية كمكون أساسي لترسيخ مبادئ وقيم وقواعد وثقافة حقوق الإنسان، كجزء هام من المنظومات القانونية والثقافية الوطنية للمجتمعات، على المستويات الوطنية والإقليمية.

وإذا كان هذا الالتزام الفعلي في واقع الدول والمجتمعات هو قضية جميع الفاعلين، رسميين أو مدنيين، فإن القسط الأكبر من مسؤولية هذا الالتزام يقع على عاتق السلطات العمومية الوطنية في مؤسسات الدول بالدرجة الأولى، وخاصة على مستوى سن واعتماد تشريعات وأنظمة لضمان حماية الحقوق والحريات للجميع، بمراعاة المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وتعتبر السلطات التشريعية في مختلف الأنظمة المعنية الأولى بسن تشريعات تعكس الالتزام الفعلي بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها، من جهة، والحرص على ملاءمة النصوص النافذة والمشاريع في طور الإعداد مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وخاصة مقتضيات الاتفاقيات الدولية، من جهة أخرى.

  وإذا كانت وظيفة وضع القوانين في أغلب الدول توكل إلى السلطة التشريعية، وذلك حسب مسطرة تشريعية دقيقة، تحددها مقتضيات دستورية، وتنظم بمقتضى قوانين وأنظمة خاصة، فإنه، في كل الأنظمة القانونية، و بالنظر للرهانات والأهداف المنتظرة من وراء إصدار كل نص تشريعي،  يتعين  ضمان التناسق التشريعي وكفالة الحقوق الأساسية المحمية بموجب الدستور والمواثيق الدولية، وتأمين اندراج كل نص قانوني في بوتقة تشريعية تراعي مرتكزات المخططات الاستراتيجية للدولة وأهداف وغايات سياساتها العامة.

وعلى الرغم من أن المساطر التشريعية غالبا ما تحدد في الدستور والقوانين المنظمة لعمل الجهاز التشريعي والتنفيذي، فإن إشكاليات أخرى تبقى مطروحة، كما هو الشأن بالنسبة لكيفية بلورة فكرة وضع قانون ما، ولأية أهداف، والقيم المزمع حمايتها أو تكريسها، والأثر السياسي والاجتماعي والاقتصادي لكل نص قانوني، والأطراف المعنية بالمسطرة التشريعية، وغيرها.

وإذا كان بعض الباحثين في العلوم القانونية يهتمون عادة بالقوانين بعد صدورها، وخاصة من حيث تفسيرها وتطبيقها، ولا يعيرون أي اهتمام إلى ما قبل ذلك، ولا يبحثون في  الدوافع السابقة لصدورها، والتي قد تكون سببا وراء غموض أو صعوبة تطبيق النصوص التشريعية، أو بعبارة أخرى، لا يتساءلون عن مدى جودة النصوص القانونية على المستوى التقني، فإن نشوء علم حديث يعرف بعلم سن التشريعات "الليجيستيكية Légistiqueوالذي يبحث عن أحسن الطرق لوضع وتحرير وإصدار وتطبيق القوانين، يبشر بتحول نوعي في مجال الالتزام الفعلي بحقوق الإنسان، وإقرار آليات مؤسسية وإجرائية وطنية لحمايتها والنهوض بها.

  ويفرق المهتمون بهذا العلم عامة بين "الليجيستيكية المادية" Légistique matérielle، و"الليجيستيكية الشكلية" Légistiqueformelle، وهما يشكلان مقاربتين مختلفتين للعمل في هذا الميدان. فإذا كانت الأولى تهتم بالمبادئ والمعارف التي تدعم فعالية التشريع وبذلك يكون موضوعها الاهتمام بمحتوى المادة الواجب خضوعها للتشريع وتقف عند الطريقة التي يمكن أن تستخدم من أجل ذلك. فإن الثانية، أي الليجيستيكية الشكلية، تهدف إلى إطلاق صيرورة تشريعية تتمثل في تجسيد المشاريع القانونية وبلورتها في نصوص قانونية ملزمة تؤطر عمل المؤسسات والأفراد والجماعات.

وتجدر الإشارة إلى أن هنالك علاقة وطيدة بين المنهجين (المادي والشكلي) لأن جودة النص المنجز ما هي إلا نتيجة للطريقة التي اتبعت في وضعه. كما أن الآثار التي يخلقها قانون من القوانين يمكن أن تختلف أو تتغير حسب جودة النص.

   يتضح مما سبق أن سن القوانين أصبح اليوم علما من العلوم الإنسانية التي تستحق كل الاهتمام، خاصة أن جميع البلدان الديمقراطية لها نشاط تشريعي في تزايد مستمر إلى درجة أصبح معها الحديث عن تضخم تشريعي "Inflation légistique"، كما أنه لا يمكننا أن نتصور مجتمعا متحضرا لا يتوفر على تشريعات عصرية موضوعة بطريقة علمية ومعقلنة، لاسيما وأن تزايد النشاط التشريعي واكبه اهتمام بالوسائل والمناهج من أجل وضع قوانين ذات جودة عالية تمكنها من بلوغ أهدافها وتطبيقها على أحسن وجه،  كما واكبه فتح عدة مراكز علمية تهتم بالتكوين الأساسي في علم سن القوانين.

  لكن بالرغم من هذه الديناميكية المسجلة على مستوى تنوع النصوص القانونية وجودتها وتزايد حجمها والوسائل والإمكانات المرصودة لها، فإن هناك تحديات كثيرة ما زالت مطروحة أمامها، كما هو الشأن بالنسبة لفعالية النصوص القانونية، ومدى أثرها على تعزيز حقوق الإنسان وحماية القيم المجتمعية أو تطوير وتحديث تلك القيم، وتحقيق التغيير الاجتماعي المطلوب، وكفالة حقوق المعارضة وحقوق الأقليات في مواجهة هيمنة الأغلبيات.

إذا كانت بعض الأنظمة القانونية المقارنة تتوفر على مصالح متخصصة في مجال إعداد النصوص القانونية، فالملاحظ أن أنظمة قانونية أخرى لا تتوفر على مثل هذه البنيات والهياكل، كما أنها لا تستخدم بشكل كاف الكفاءات ذات الاختصاص المتاحة، وهذا راجع ربما إلى عدم توفر الإمكانيات المادية اللازمة، أو إلى تعدد مصادر المبادرة التشريعية، وهو ما قد يفسر ضعف جودة بعض النصوص التي تنتجها، من حيث الجوانب المتعلقة بالصياغية، أو من حيث عدم احترامها للمبادئ الدستورية ومبادئ الأحكام القانونية، أو عدم ملاءمتها مع معايير حقوق الإنسان، أو عدم تناسقها مع السياسات العامة والاستراتيجية للدولة، أو تواجه صعوبات موضوعية في التطبيق.

إن أي قصور في عملية سن القوانين بشكل عام، بقدر ما يؤدي إلى إصدار نصوص لا ترقى إلى تطلعات بناء دولة القانون، فإنها تنعكس سلبا عند تطبيقها على سير دواليب الدولة، وتمس بصفة مباشرة أوضاع حقوق الإنسان، الشيء الذي يتطلب إلماما مهنيا على مستوى تقنيات التشريع، ووعيا بدرجة ومستوى الأثر الاجتماعي والثقافي على مستوى كفالة حقوق الإنسان في أبعادها الشمولية والمندمجة، وانخراطا على مستوى الفاعلين المعنيين.

وحيث إن حقوق الإنسان أصبحت بعدا عرضانيا يكتسي أهمية بالغة بالنسبة للدولة والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني والمنتظم الدولي، وذلك لارتباطها بتعزيز الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات، ولكونها من مرتكزات كل تنمية ورقي اجتماعيين، فإن المشرع ملزم بمراعاة مبادئ وقواعد حقوق الإنسان، بإدماجها في التشريعات الوطنية الجديدة، واستحضارها في كل إصلاحات قانونية مرتقبة.

  ومساهمة في تعميق الفهم والتفكير المشترك، وتقاسم التجارب والممارسات الفضلى على الصعيد الدولي، وضمان الانسجام والتناسق بين الأنظمة القانونية على المستوى الدولي، من زاوية حماية حقوق الإنسان باعتبارها منتوجا قيميا كونيا ورصيدا إنسانيا مشتركا للشعوب والدول والأمم؛ يأتي تنظيم هذا المنتدى الموضوعاتي الذي سيشارك في أشغاله خبراء من الأمم المتحدة ومن بعض الدول، وقطاعات حكومية وبرلمانيين ومؤسسات وطنية، وهيئات مهنية، ومنظمات المجتمع المدني، إضافة إلى ممارسين وباحثين وإعلاميين.

 

ستخصص أشغال المنتدى  لدراسة المحاور التالية:

المحور الأول: الأطر المرجعية والتقنيات العلمية في مجال سن القوانين؛

المحور الثاني: تجارب دولية وممارسات فضلى في مجال سن القوانين؛

المحور الثالث: تناسق والتقائية التشريعات الوطنية مع الآليات الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان؛   

المحور الرابع: معايير ومؤشرات إدماج مقاربة حقوق الإنسان في مجال سن القوانين.

 

 

تنظم المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان

بشراكة مع

البرلمان (لجنتي العدل والتشريع وحقوق الإنسان)

و(المجلس الوطني لحقوق الإنسان)

ومركز دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية

ومشاركة أطراف دولية (دول وخبراء من الأمم المتحدة وجامعات أجنبية)