العيادات القانونية لحقوق الإنسان

رغم تنامي طلب الطلبة من الجنسين ورجال ونساء القانون على مزيد من التكوينات المتعلقة  بحقوق الإنسان، فإن عروض التكوين تظل جد محدودة في المجال، وهي تكون، حين تتوفر، نظرية في أغلب الأحيان، كما أنها تهمش المناهج التفاعلية التي من شأنها تنمية الفكر النقدي لدى الطلبة، ومعه كفاءتهم في تحليل دور القانون والمحاكم والمجتمع المدني في النهوض بحقوق الإنسان. وكثيرا ما يشكو التعليم الجامعي، وضمنه تدريس حقوق الإنسان، من الانفصام عن الواقع الملموس، وأيضا عن تجارب ضحايا الانتهاكات ونشطاء المجتمع المدني المدافعين على هذه حقوق والنهوض بها.

برهنت دراسة أنجزتها "منظمة القانون من أجل الصالح العام"، بتعاون مع المفكرة القانونية، حول المحامين المدافعين عن حقوق الإنسان وعن النهوض بالعدالة الاجتماعية في العالم العربي، على وجود طلب متزايد في صفوف طلبة القانون من الجنسين والمحامين الشباب للانخراط في الدفاع عن حقوق الإنسان. لكن هذا الحماس تعترضه أحيانا عدة عراقيل، من بينها غياب التكوين الملائم الذي من شأنه تمكينهم من التوظيف الفعال لجميع الوسائل والاستراتيجيات الكفيلة بتطوير التمتع بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

ويبدو، من جهة أخرى، أن المهن القانونية عامة، والمحاماة على وجه الخصوص، لا تشجع إلا بقدر يسير أولئك الذين يخصصون مسارهم المهني للدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها، ولا تقدم لهم إلا دعما لا يعتبر. وثمة عاملان يساهمان بشكل كبير في توسيع الهوة بين المحامين المناصرين لحقوق الإنسان وبقية المهن القانونية: يتمثل العامل الأول في كون الدراسات  في كليات الحقوق تولي أهمية هامشية للانخراط في الدفاع عن حقوق الإنسان، بينما يتعلق الثاني بمحدودية قنوات التواصل بين هذه الكليات والقطاع الجمعوي، أو بالأحرى انعدامها.

لقد ساهم تطور التدريس التطبيقي للقانون في تقديم جواب على مشاكل مماثلة في أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية، وأيضا في بلدان أخرى من منطقة مينا (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) مثل مصر وفلسطين. وتوفق عيادات حقوق الإنسان في كليات الحقوق بين التدريس النظري والتجربة الميدانية، وهو التوفيق الذي يتمثل في تقديم خدمات ذات طبيعة قانونية إلى "زبائن" من ذوي الحالات المتواضعة أو إلى جمعيات لا تهدف إلى الربح. توفر هذه المقاربة للطلبة فرصة تطبيق ما تلقنوه في المدرجات على حالات من الواقع، وذلك تحت إشراف الأستاذ التطبيقي. وتبين هذه التجارب أن التدريس التطبيقي لحقوق الإنسان يساهم خاصة في:

- تقوية كفاءة الطلبة الذين يصبح بإمكانهم توسيع دائرة معارفهم وقدراتهم العملية، واكتساب تجربة ميدانية في إطار اشتغالهم إلى جانب أشخاص معوزين وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني؛      

 - توفير خدمات مجانية ومساعدات لصالح الأشخاص المهمشين وفي وضعية هشة، وكذا الدعم للمنظمات غير الهادفة للربح؛

- جعل الطلبة يواجهون حالات واقعية ومشاكل يعاني منها ضحايا العنف والتمييز والفقر، وفسح المجال أمامهم أيضا للاستفادة من تجارب المدافعين عن حقوق الإنسان المحنكين. ويسمح هذا بتحسيس طلبة العيادات بالتحديات الفعلية لحقوق الإنسان في محيطهم، وخلق الشعور لديهم بأنهم مدعوون للعمل الاجتماعي وتوليد التزامهم إلى جانب المعوزين وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يساعد بدوره على تطوير مهن قانونية مسؤولة اجتماعيا؛

- تقليص الهوة القائمة في كثير من الأحيان بين المهن القانونية والمجتمع المدني، عن طريق إنشاء روابط بين الجامعات والمحامين والقضاة وغيرهم من رجال ونساء القانون، والضحايا والمنظمات غير الحكومية. وهذه الروابط كفيلة بأن تضمن للمدافعين عن حقوق الإنسان محيطا متفهما لعملهم ومتضامنا مع قضاياهم، كما أنها تشكل حزاما واقيا أساسيا في البلدان التي يعاني نشطاء حقوق الإنسان داخلها من تحرشات السلطة أو عداء بعض جماعات الضغط.   

إن أساتذة القانون، والمحامين المناصرين لقضايا حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية، الذين التقينا بهم خلال أنشطتنا أو بمناسبة زيارات العمل للمغرب، جد واعين بالفوائد التي بإمكان التكوين القانوني التطبيقي توفيرها، وقد طالبوا بمساعدة "منظمة القانون من أجل الصالح العام" لتطوير عيادات حقوق الإنسان في الجامعات المغربية.

واستجابة لهذا المطلب، فإن المشروع الحالي يهدف إلى المساهمة في تدعيم كفاءات كليات الحقوق والأساتذة والمنظمات غير الحكومية، وتقديم المساعدة والاستشارة لهم في إطار جهودهم الرامية إلى تطوير التكوين التطبيقي في مجال حقوق الإنسان بالمغرب. وسيتم تطبيق المشروع من طرف "منظمة القانون من أجل الصالح العام" واللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة الدار البيضاء- سطات، وذلك بتعاون وطيد مع الجامعات والنسيج الجمعوي. ويندرج المشروع في إطار مبادرة أشمل لـ "منظمة القانون من أجل الصالح العام" تبتغي مساندة تطوير عيادات حقوق الإنسان في منطقة مينا، بما في ذلك تونس ولبنان، بتعاون مع جامعات ناطقة بالفرنسية من كندا وفرنسا وسويسرا، بالإضافة لشركاء آخرين.

هناك نشاطان اثنان مبرمجان في هذا الإطار.

النشاط الأول سيحتضنه المنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش، وهو عبارة عن ورشة عمل طيلة يوم حول التدريس التطبيقي لحقوق الإنسان. الورشة سيؤطرها عدد من الأساتذة المتمرسين في المجال، سيحضرون من كندا ومصر والولايات المتحدة وفرنسا وسويسرا وفلسطين، وهي موجهة لأساتذة كليات الحقوق، وكذا لنشطاء المجتمع المدني محليا وعالميا المشاركين في المنتدى، وهي تهدف إلى جعل مفهوم عيادات حقوق الإنسان مألوفا لدى المشاركين، وتعريفهم عن طرق تأسيسها وتسييرها، فضلا  عن تدبير علاقاتها مع المجتمع المدني وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان و"المستفيدين" المحتملين الآخرين من خدمات هذه العيادات. وستشمل الورشة تقديما لمختلف المحاور، وتطبيقات تفاعلية لفائدة مجموعات من المشاركين، علما أنها ستنظم يوم 27 أو 29 نونبر في مراكش.    

  أما النشاط الثاني المبرمج، فهو تنظيم جلستي عمل، الأولى موجهة لأساتذة من جامعة الدار البيضاء والمحمدية، والثانية لأساتذة من جامعة الحسن الأول بسطات، علما أن الجامعتين معا منخرطتان بدرجات مختلفة في مشاريع لإنشاء عيادات لحقوق الإنسان. وتهدف جلستا العمل أساسا إلى مناقشة الاستراتيجيات العملية لتنفيذ المشروع وتقييم حاجياته، وهما من تأطير خبراء من ضيوف المنتدى العالمي لحقوق الإنسان بمراكش وستنعقدان يومي فاتح وثاني دجنبر بالدار البيضاء وسطات.

مسؤولا النشاط:

- سميشة الرياحة، رئيسة المجلس الجهوي لحقوق الإنسان للدار البيضاء- سطات:

soumicha@gmail.com

- حبيب نصار، مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لمنظمة "القانون من أجل الصالح العام:

hnassar@pilnet.org