محاربة الرشوة وحقوق الإنسان

محاربة الرشوة وحقوق الإنسان

 

تشكل الرشوة السبب الأكبر للكثير من انتهاكات حقوق الإنسان. وحين نتناول احترام حقوق الإنسان، فإننا نلاحظ أن هناك توجها عاما للتعايش بين استفحال الرشوة وفشل المؤسسات. إن الدول ذات مؤشرات إدراك الرشوة المرتفعة هي بالذات الدول التي غالبا ما تصنف ضمن البلدان التي تعرف انتهاكات مهمة لحقوق الإنسان.

الرشوة، وهي تفسد الأساليب الديمقراطية وتحرم الدول من موارد ضرورية لأداء وظائفها الأساسية في مجال توفير وتقديم الخدمات الأساسية، تخرق، ولو بشكل غير مباشر، أغلبية حقوق الإنسان الأساسية. وهي، فضلا عن هذا، تؤثر سلبيا على مختلف الفئات كالنساء، والأطفال، والأشخاص في وضعية هشاشة والفقراء، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمسنين، واللاجئين والمرحلين.

إن الرشوة انتهاك، في حد ذاتها، للمبدأ الأساسي المتمثل في المساواة بين المواطنين أمام القانون. وتنتج عن هذه الفجوة في المساواة آثار متعددة يمكن تصنيفها ضمن خانتين: خرق الحقوق المدنية والسياسية وانتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

ورغم أن الدول تسلك، أحيانا، مسارين متوازيين للوفاء بالتزاماتها في مجالي محاربة الرشوة والدفاع عن حقوق الإنسان، فإن المجالين يغترفان معا مصدرهما من نفس المبادئ: المشاركة على قدم المساواة، والمساءلة، والدمقرطة، وتحميل المسؤولية للساكنة المهمشة وإدماجها.

وإذا ما تم تطبيق هذه المفاهيم على أرض الواقع، فمن شأنها المساهمة في تحسين تسيير الدول، وذلك عن طريق اعتماد أهداف مشتركة للجهود المبذولة في مجال حقوق الإنسان والجهود المتعلقة بمحاربة الرشوة.

غير أن كل واحدة من حركتي مناهضة الرشوة والدفاع عن حقوق الإنسان توظف لغة مختلفة عن الأخرى لتوصيف أنشطتها. وتشير النقط المثبتة أسفله، بشكل متوازي، للقاموس المستعمل من طرف كل حركة على حدة:

- محاربة الرشوة في السياسة والقضاء (حركة محاربة الرشوة) تسمح بضمان الحقوق المدنية والسياسية (حركة حقوق الإنسان)؛

- محاربة التهميش والإقصاء (حركة محاربة الرشوة) تهدف إلى حماية الحق في عدم التمييز وفي المساواة (حركة حقوق الإنسان)؛

- تأمين تقديم الخدمات العمومية (حركة محاربة الرشوة) يرمي إلى ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (حركة حقوق الإنسان).

 

رغم وجود أنشطة وأهداف مشتركة بين حركة الدفاع عن حقوق الإنسان وحركة محاربة الرشوة،  فإن بعض النزاعات تظل قائمة بينهما لحظة تطبيق هذه الأنشطة والأهداف، ونسوق أسفله بعض الأمثلة لتبيان ذلك:

- يمكن لحكومات معينة أن تضع قيد التنفيذ برنامجا لمحاربة الرشوة لا يحترم حقوق الإنسان؛

- يمكن للإجراءات التشريعية الوطنية الهادفة إلى تحسين فعالية جهود محاربة الرشوة أن تجد نفسها في وضع نزاع مع القوانين ومع معايير وقيم حقوق الإنسان؛

- يمكن لإجراءات محاربة الرشوة إلحاق ضرر بفئات مهمشة، ومن ثمة حرمانها من الوصول إلى خدمات أساسية؛

- يمكن لصكوك محاربة الرشوة العالمية أن تشكو من نقص قانوني فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان.

ورغم هذه الاختلافات، فإن عددا من أوجه الشبه بين الحركتين تنطوي على إمكانية القيام بمبادرات مشتركة، هدفها توجيه الجهود الرامية إلى محاربة الرشوة في اتجاه مقاربة تتمحور أكثر حول حقوق الإنسان. ويمكن لمجالات العمل المشترك أن تشمل:

- تدقيق النظر في الرشوة على أساس كونها مصدرا لانتهاكات حقوق الإنسان: هناك حاجة متزايدة لاستكشاف وتحليل الكيفية التي تساهم الرشوة عن طريقها في خرق حقوق الإنسان، والوسيلة التي يمكن عبرها إدماج خلاصات العمل السالف في التقارير المتعلقة بالحركتين معا؛

- التعاون من أجل رفع مستوى الوعي: يمكن لأنشطة الترافع ضد الرشوة والدفاع عن حقوق الإنسان أن تحاذي بعضها البعض بطريقة أكثر فاعلية، وذلك من أجل التركيز على الخاصيات المشتركة بين هيئات كل واحدة من الحركتين، وعبر إطارات عمل مختلفة؛

- جعل الاستراتيجيات والأنشطة السياسية محاذية لبعضها البعض: يمكن للأنشطة السياسية داخل كل حركة أن توطد الروابط بين الحركتين وأن تستفيد من دعم متبادل؛

- ضبط طريقة استعمال آليات المساءلة المواطنة على أساس كونها أرضية للتقارب.

لقد كان هدف حركة محاربة الرشوة يتمثل أساسا في وضع حد لأصناف الابتزاز التي تشوه المسلسل السياسي وتسمح لأفراد بتقلد السلطة بينما هم لا يمثلون من يحكمونهم. وهي تعمل من أجل النهوض بسلطة قضائية مستقلة ونزيهة وفعالة.

 هكذا، يستطيع الحد من الرشوة أن يحسن الوصول إلى الخدمات العمومية، وخاصة بالنسبة للمواطنين الأكثر فقرا والأكثر تعرضا للهشاشة. كما أن محاربة الرشوة تساهم في تحسن الشفافية باعتبارها وسيلة لزيادة توظيف الثروات المنبثقة من الموارد الطبيعية في إطار التنمية. ومن ثمة، فالانشغالات المرتبطة بقضايا حقوق الإنسان تندرج في سياق مطابق لحركة محاربة الرشوة، والحركة المدافعة عنها تهدف إلى احترام وحماية وإعمال هذه الحقوق. ورغم التحديات، فهناك العديد من المجالات التي تتكامل ضمنها أولويات الحركتين.